الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
571
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حذر الجور والتطاخي وهل ين * قض ما في المهارق الأهواء قال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ [ البقرة : 283 ] ، فلم يجعل بين فقدان الكاتب وبين الرهن درجة وهي الشهادة بلا كتابة لأنّ قوله : وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً [ البقرة : 283 ] صار في معنى ولم تجدوا شهادة ، ولأجل هذا يجوز أن يكون الكاتب أحد الشاهدين . وإنّما جعل القرآن كاتبا وشاهدين لندرة الجمع بين معرفة الكتابة وأهلية الشهادة . وَاسْتَشْهِدُوا بمعنى أشهدوا ، فالسين والتاء فيه لمجرد التأكيد ، ولك أن تجعلهما للطلب أي اطلبوا شهادة شاهدين ، فيكون تكليفا بالسعي للإشهاد وهو التكليف المتعلّق بصاحب الحق . ويكون قوله : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا تكليفا لمن يطلب منه صاحب الحق أن يشهد عليهما ألّا يمتنع . والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة ، والمراد بها هنا حضور خاص وهو حضور لأجل الاطّلاع على التداين ، وهذا إطلاق معروف للشهادة على حضور لمشاهدة تعاقد بين متعاقدين أو لسماع عقد من عاقد واحد مثل الطلاق والحبس . وتطلق الشهادة أيضا على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه ، والاحتجاج به على من ينكره ، وهذا هو الوارد في قوله : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [ النور : 4 ] . وجعل المأمور به طلب الإشهاد لأنّه الذي في قدرة المكلّف وقد فهم السامع أنّ الغرض من طلب الإشهاد حصوله . ولهذا أمر المستشهد - بفتح الهاء - بعد ذلك بالامتثال فقال : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا . والأمر في قوله : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ قيل للوجوب ، وهو قول جمهور السلف ، وقيل للندب ، وهو قول جمهور الفقهاء المتأخرين : مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسيأتي عند قوله تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ . وقوله : مِنْ رِجالِكُمْ أي من رجال المسلمين ، فحصل به شرطان : أنّهم رجال ، وأنّهم ممّن يشملهم الضمير . وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام يا أيها الذين آمنوا . وأما الصبيّ فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل